حبيبة الصمت!

0

تنسابين في الخاطر:بين المسام والتكوين، عنواناً للهفة، وماضياً كان بك وما يزال بالغ الاخضرار، في الصمت تتجاوزين المدى من حولي، تضحكين من العابرين أولئك الذين يرونني أّمُرّ بينهم متماسكاً.. تبوحي.. تهمسي في آذانهم:
ـ لكم هو مشتاقٌ إليّ؟
وأنتم تظنون التماسك به؟
فإنني لسر هذه الشُعيرات التي تتساقط من مُقدمة رأسه، إنني عنوان براءة نظرة العينين تلك، والالتفاتة التي لا تلوي على شىء، ذاك لإنه يظن نفسه قمري..فيما أنا قمره الحقيقي، أشغله عن الناس آناء الليل وأطراف النهار، إنني القابلة التي تلقته عند الميلاد، وآخر مَنْ سيدفنه في التراب، إنني كنتُ له وما زلتُ منتهى المنى من الحياة، وبدايات الرضا واشتهاء الوفاة، جئتُ إليه من الجنة حورية في غفلة من الحياة، بي اكتحلت عيناه برؤية المحال فما عاد من الدنيا وزينتها وبهرجها يشتاق شيئاً!
كنتِ وما تزالين حلم الخاطر الذي به لأقصى عمق من الروح باح، والمحال الذي رآه الوجدان على الأرض فحسد نفسه على وجودك في حياته، وتمنى ألو استطاع أن يغفو حتى الأبد بين يديك، يستطيع أن يعبد ربه .. خالقك ومكوكبك .. وجاعلك له قبل أن تهجم الحياة بمنغصاتها، إنك عنوان ومجال هذا التكوين، بك هدأ، وفي ظلك استراح، منذ تعلم الخطو وهو يسير، أيّا آسرَّة، منذ المهد والتكوين وهو يحلم بالحبو إليك، منذ أن نفث فيه رب الكون الروح وهو يتسلل لائذاً بضوء عينيك من الحياة والخونة والخائنين، جعلك مصباحاً في الظلمات، وحبلاً سُرّياً للأفراح والهناءات، بك أدرك أن الآمال منتهاها الأفراح، وإن تحققت مرات في الحياة إلا إنها كافية، وأن الأحزان مهما استطالت لها نهاية وإن كانت قليلة، وأن الحياة تعطي مهما كان المقابل ضئيلاً!
أحبك منذ عرف كلمة السر: منذ عرف، أيا ملكة الأسرار نفسه، واشتكى إليك، أيا شجية، حتى من ذاته، عميق القدر من الامكانات فيها، والمخفي من القدرات، أنت لا تعرفين، أيا عليمة ببعض بواطن الأمور، إنه أحبك قبل أن تعرفي أنت نفسك.
أول ضحكاته كانت طائرة من أهداب العين منك وإليك، أول دمعة كانت لبعادك عنه، أول دوران عجلة منفوخة بالهواء .. أول سفر كان إليك، أول نوبة انهيار كانت لإنك صغيرة بعد لا تريدين إقبالاً عليه، أول هفوة كانت في كتابة اسمك، لما خطه جعل له حروفاً غير التي يعرفها البشر، لما عرف البحر أدرك إنه رآه من قبل أن يدركه أو يفهم أسراره البشر، رأى البحر فيك قبل أن تراه عين، غيّرتك وهجومك وأمواج محبتك، دفء يقظتك وحذر منامك، دقة اقبالك ونسيانك له حتى الثمالة حين البعاد، تألقك بالابتسام بين عينيه وتعمدك ادعاء الحزن لترين لهفتك إليه..
أحبك وآويته، بعد الله، أطعمته بيديك من قليل الحياة، وهو الجائع، وبعد رب العباد آمنته من خوف، وهو الغريب المعاند..كنتِ الحياة، كل الحياة وما زلتِ، وهو ادعى التيه كثيراً في المنيا .. في الجامعة وبعيداً عن أهداب عيون البنات، ولهفة صباهن إليه، وخطوه غير المتمهل الذي لا يحبو ولا يحنو إلا لك ..
في القومية الابتدائية المشتركة ببني مزار.. يال العجب كنتِ معلمته التربوية القادمة من المنيا الدائمة الشجار مع الغرباء لكنها تبتسم كلما رآته .. تلك التي قالت له في آخر أيام العام الاول من حياته الدراسية:
ـ لقد أحببتُك كما لم تحب سندريلا علاء الدين، ولكم تمنيتُ، أيا حمام، أن آخذك معي على بساط علاء الدين إلى حيث ست الحسن والجمال .. ما يؤسفني هو أني في العام الماضي لم أرك.
كانت الزميلة في المسافة بين باب الجامعة العملاق الذي يحتوي مئات الزملاء وقوفاً فوق أكتاف بعضهم.. لا مراعاة للخصوصية في الحياة الحديثة، كانت المسافة التي تُدني الباب من شعر رأسه ليشعر إنه في بنيان شيخ المعمارين “حسن فتحي”، وتلعق الآيس كريم بدلاً منه.. فيشعر بطراوته في كبده، في ليالي الشتاء كانت الإزار وللعينين الأماني بيوم تشرق فيه الشمس، آنسته من اغتراب شعوري ودمشقي إلى المسجد الاُموي، وأنسته حلم البعاد حتى مفارقة الذين أدموا عينيه بالأماني، صفت له حتى نسي إن الحياة فيها من الأشقياء ما يكفي!
وإنها للمُعيدة التربوية في الجامعة، ومتسللة إلى مشيّته في المدينة الجامعية، في ليالي الاستذكار المُرّة تقول له:
ـ إنني سر النجاح..!
على الأراضي الزراعية المبنية عليها الجامعة كم قالت له:
ـ ستورق أشجاري بقربك!
وإنها للأم لما غابت الأم، وللدمعة الأولى لما بكى ست الحبايب بدموع القلب ولام نجيب محفوظ ..كيف قال؟:
ـ سامحني، أيا أبي، فإنني لم أحزن عليك بالقدر الكافي!
ولكنه إذ حزن بعمق شجر الصنوبر بداخله كنتِ، أيا نقية، لديه .. تلبسين ثيابها، تعودين به إلى الصغر إلى منتهى حفلات تربيتها الحنونة له .. !
كنت وما زلت، في الصحو كما المنام، الاختلاف كما التوافق، حبيبة عمر ..ينقضي العمر ولا تذهب .. حبيبة الصمت!

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.