إرفعوا أيديكم عن التعليم…(صرخة معلّم تونسي)

لم يكن تاريخ 30 نوفمبر تشرين 2016 عاديا في العاصمة التونسية، فالتاريخ يوافق ثاني أيام مؤتمر الإستثمار الدولي  20.20، الذي تراهن عليه تونس ،و تعلّق عليه آمال الإقلاع الاقتصادي و التنموي، كما شهد ذات اليوم وقفة إحتجاجية حاشدة في ساحة القصبة ، أقامها المربّون  إحتجاجا علی تردّي ظروفهم الإجتماعية، وردّ إعتبار لكرامتهم التي إمتهنها  وزيرالتربية الناجي جلول …

وزير الشعبوية والوعود الطوباوية

مقالات متعلقة

من باب الإنصاف يمكن إعتبار وزير التربية التونسي  الحالي الناجي جلّول من أكثر السياسيين شعبية ، وهو ما تؤكّده أسبار وإستطلاعات أراء متتالية و مختلفة المصادر و التوجّهات، و هذه الشعبية ليست وليدة بصمة إصلاحية أو تغييرات جذرية، بقدر ما هي نتاج لديماجوحيا البروباغندا الإعلامية ،ونجاح سياسات الوزير إتّصاليا وتواصليا، و حضوره الإعلامي المتكرر، وإطنابه في إنتهاج درب الشعبوية و الوعود الطوباوية، وتحركاته الميدانية تحت الأضواء ، والبحث عن الإثارة و البروباغندا ،وتوريد برامج تربوية من بلدان متقدمة دون موائمتها مع الخصوصية التونسية، وليس أدلّ علی ذلك من تغيير الزمن المدرسي، وتفعيل نظام السداسيات في محاكاة عمياء للأنظمة التربوية في بعض الدول الأوروبية، الأمر الذي شوّش علی التلاميذ و المربين من خلال تداخل الإمتحانات  بالدروس وتقطّع هذه الأخيرة عبر تتالي العطل القصيرة  بشكل عشوائي عطّل ديناميكية العمل البيداغوجي والتلقيني لدی المربّي و التلقّي لدی التلميذ، أمّا العودة المدرسية فقد كانت متعثّرة، بعد أن أوصدت عشرات المدارس أبوابها لغياب الإطار التربوي، وقد أشارت أرقام غير رسمية إلی أن أكثر من ثلاثين ألف تلميذ حرموا من حقّهم في الإلتحاق بمقاعد الدراسة إلی غاية شهر نوفمبر تشرين ، أي بعد قرابة شهرين من الإنطلاق المفترض للدروس ،لعجز الوزارة عن تغطية النقص الفادح في الإطار التربوي، حيث شهدت بعض الولايات نقصا في المربّين قدّر بالألاف بين أساتذة و معلمّين، ليتذرّع الوزير بنقص الموارد المالية و الرأس المال البشري، والحال أن هذه الوضعية كانت نتاجا لتداعيات قراراته الإرتجالية بعد ان ألغی العمل بنظام الفرق دون رصد إعتمادات مالية لتطبيق هذه القرارات علی أرض الواقع، وعلاوة علی هذه العودة المدرسية اللامسبوقة ،ظلت المدرسة التونسية تعاني من إهتراء البنی التحتية ،فمشاريع الوزير الحالمة في ترميم المدارس ظلّت محدودة في الزمان و المكان، بينما تواصل تهاو الأسقف علی رؤوس المربين و التلاميذ في مدارس لازالت تفتقر إلی شبكات الطرقات و الصرف الصحي و والمياه الصالحة للشرب و تستنير بالطاقة الشمسية، فالمشهد التربوي في تونس مشهد مفارقاتي بإمتياز، بين صورة نموذجية طوباوية حالمة تسوّق إعلاميا ، و بين صورة كارثية تفرض نفسها علی أرض الواقع بعيدا عن وعود الوزير بتوفير لوحة رقمية لكل تلميذ ،والحال ان التلميذ لازال غير قادر علی الحصول علی لوحة خشبية… و مسبح في كل مدرسة، والحال أن التلميذ مازال يسبح في الأوحال شتاء خلال رحلته الكيلومترية اليومية والمضنية  نحو المدرسة …هذه المفارقة كانت نتيجة لسياسة تواصلية مدروسة ، إنتهجها الوزير من خلال حضور إعلامي مكثّف ضمن له  إنتمائه الحزبي المتماهي مع خطوط تحرير أغلب القنوات و الإذاعات و شركات آسبار الأراء ، فالمعركة كانت تواصلية إتصالية بالأساس ….

الإعلام يتجنّد …

في عملية إستباقية ،شرعت المنابر الإعلامية التونسية بشتّی صنوفها ،سواء المرئية أو السمعية أو المكتوبة الورقية منها أوالإلكترونية بتشويه أي تحرك يتزامن مع مؤتمر الإستثمار، في اشارة صريحة إلی تحرّك المربين الذي يتزامن مع ثاني ايام المؤتمر، واللعب علی أوتار نظريات المؤامرة، و قواميس الخيانة و التشويش و التشكيك في صدق نوايا هذا التحرك، الذي إعتبروه مسيّسا يخدم أجندات أطراف وضرب صورة تونس سياحيا و إستثماريا ،كل هذا لم يفتّ في عضد التحرّك، بل زاده زخما و حفّز المتردّدين علی التوجه إلی العاصمة، وأمام نجاح الإحتجاج تنظيميا وعدديا ،إنطلقت الحملات الإعلامية الهوجاء في  الربش في الشعارات المرفوعة ،و إقتباسها بطريقة خبيثة تصوّر المربّي في شاكلة الإنتهازي المسيّس، الذي لا يؤتمن عليه في تربية الناشئة أمام حجم التفسّخ الأخلاقي الذي أظهره، لتنصب  المنابر التلفزية مساء مركّزة  علی نفس تلك الشعارات، إضافة إلی عصارة يوم كامل في البحث عن صور “ملتحين” إلتقطتهم عدسات المصورين عن حسن نية بطبيعة الحال ،لإضفاء الصبغة الدينية الرجعية علی هذا التحرك والترويج لنظريات الإندساس و الاختراق السلفي، كما تمّ الرجوع إلی الشعارات المرفوعة و بثّها صوتا وصورة و ترجمتها أسفل الشاشة وتبويبها إلی شعارات سياسية و أخری لا اخلاقية مستهجنة في حق وزير شعاره العمل ثم العمل، ويتأبط مشروعا تربويا إصطدم حسب جهابذة الاعلام بحاضنة فساد تحاول عرقلته .

أرفعوا أيديكم عن التعليم …

تعتبر السياسة فن المخاتلة والمناورة بإمتياز، تتأقلم مع التطوّرات فالظاهرة السياسية تقوم علی البراغماتية و المكيافيلية، التي تتنافر مع الزخم القيمي والأخلاقي للتربية و التعليم ،وإن تداخل السياسة  بالتعليم حتما سوف يفرز توليفة هجينة تقضي علی أجيال كاملة، وبالتالي فتطوّر المجتمع واستمراره رهين فصل التعليم عن السياسة ،والتعليم في تونس للأسف أصبح ساحة للتجاذبات و المزايدات، من خلال أدلجة و تسييس الخطاب حوله ،ومن المؤكد أن الصورة الحالية تؤكد وجود مجموعة من الصراعات الفكرية كلّ منها يريد بسط يده علی هذا القطاع الحسّاس ،وكلّ يعرض بضاعته ،من أطراف داخلية و خارجية، و لنا أن نستشهد  بحادثة السفير الفرنسي “اوليفيي بوافر دارفو”  الذي هاج وماج و إستشاط غضبا من تصريح وزير التربية التونسي، الذي إعتبر الانجليزية لغة العلوم و لغة السوق، ومن المنطق أن تتبوأ مرتبة اللغة الرسمية الثانية عوضا عن الفرنسية، الأمر الذي تراجع عنه بعد ان لمس غضب سفير اكبر دولة تأثيرا في تونس ، و تأثيرها المباشر في القرار السيادي، ليتدارك ويعتبر لغة موليير خطا أحمر لا يمكن المساس بها، لتؤكد هذه الحادثة المزاج الفرنكفوني  للتعليم في تونس، الذي  لازال سائدا منذ إنتصاب الحماية الفرنسية الی غاية كتابة هذه الاسطر، رغم محاولات تعريب العلوم، لتظهر علی السطح تجاذبات بين الفرنكفونية و المدافعين عن الهوية واللغة العربية بعد الإستقلال، لتظلّ فكرة الإصلاح التربوي شعارا حبيس الكتب الملوّنة   والندوات والتنظيرات، وهو ماجعل المدرسة التونسية تعاني من الركود والجمود  في خدمة فكر معين يأخذ شكل توجه الاحزاب الحاكمة ،وليس أدلّ من توجهّات الوزراء  المتعاقبين علی حقيبة التربية وهويّاتهم الحزبية و مكانتهم في النظام ،من جلّول الفارسي مرورا بالمسعدي، فأدريس قيقة و محمّد الصيّاح و محمد الشرفي، وغيرهم ، رغم ترويج دولة الإستقلال لأرقام تؤكد تحسّن نسب التمدرس، وهذه نقطة تحسب لنظام بورقيبة ،مع بعض المكاسب التربوية في تعميم التعليم و اجباريته و مجّانيته، لكن هذه التجارب لامست الكمّ و همشّت الكيف، وليس أدلّ من ذلك بكون أوّل جامعة تونسية تأتي في المرتبة 70 إفريقيا، نعم افريقيا بعد جامعات نيجيريا و مدغشقر وزيمبابوي وبورندي، وتحتلّ المراتب الخمس االأخيرة في تقييم دولي يتعلّق بقياس كفاءة النظم التعليمية للبلدان والقدرات الاستيعابية للتلاميذ في الميادين العلمية ،ضمن مجموعة دراسات أجراها البرنامج الدولي لمتابعة مكتسبات التلاميذ التابع لمنظمة التعاون و التنمية الإقتصادي، وذلك كنتاج لسياسات بن علي التعليمية ،الذي إبتكر بدع النجاح الآلي، و التسهيل في معايير الإمتحانات  استجداء للمنظّمات التعليمية العالمية للإغداق علی نظامه بالمنح الجامعية و الهبات، وهذا التدهور في القدرة التنافسية للشهادات العلمية التونسية في الخارج قابله أيضا إرتفاع في نسب البطالة في أوساط أصحاب الشهائد العليا، الذي إنعكس سلبا علی المناخ الإجتماعي ،كما انّ الطامة الكبری التي أفرزتها عقود من الإرتجال علی مستوی السياسات التربوية قطع إرتباط الأجيال الجديدة بالهويّة الثقافية وظهور جيل مهتزّ ثقافيا وحضاريا بلا ملامح طرق أبواب الشذوذ أو التشدّد الديني، لتصبح تونس أكبر الحواضن لتفريخ الشواذ والملاحدة والإرهابيين …إن المتمعّن الصحّ في تاريخ الأمم الحديثة يقف علی حقيقة راسخة، وهي أن كلمة السرّ في التطور و النهضة الحضارية هي “التعليم” لنستشهد بمقولة رئيس الولايات المتحّدة  الأمريكية الأسبق رونالد ريغن “الأمّة في خطر…إصلاح التعليم الأمريكي أمر إلزامي ” ،داقا بذلك ناقوس الخطر ، كذلك لنا في اليابان الأسوة الحسنة، حيث أعادت النظر في منظومتها التربوية بعد خراب شامل ألمّ بها عقب كارثة هيروشيما وناكازاكي، ونهضة ألمانيا بعد ان تخلّصت من إرث نازي ثقيل ،علاوة علی البلدان الإسكندينافية وسنغافورة و ماليزيا …وكلّها دول رفعت ألوية الإصلاح التربوي بإعتبارها بوّابة النهضة الحضارية .أمام هذا الواقع المظلم للتعليم التونسي وإهتراء سياساته ،وجب إطلاق صيحة فزع ،قبل أن يدقّ آخر إسفين  في نعش هذا القطاع الحيوي ،وكيف لا؟ وهو المتحكّم في مستقبل هذا الوطن ،لذلك وجب إتّخاذ مقاربة الجودة في جميع مجالاته عبر مجموعة من التدابير أهمّها …

_جودة الموارد البشرية بالقضاء علی سياسة الإنتدابات العشوائية، حيث أن سلك التعليم أضحی بمثابة واق للصدمات تستعمله الحكومات كسوق تشغيل لإمتصاص الغضب الشعبي، فربّما تكون تونس البلد الوحيد الذي ينتدب تقنيين ساميين في الصيانة الصناعية كمدرّسين و هذا علی سبيل الذكر، بعد ان أصبح التدريس عجلة خامسة لكل من ضاقت به سبل التشغيل.

_تحسين الأوضاع الإجتماعية للمربّين وإلتزام الحكومة بجميع التعهدات والاتّفاقيات المبرمة  في المفاوضات الإجتماعية .

_إرساء خطط ومشاريع و برامج يشرف عليها مجلس أعلی للتربية، يضمّ كفاءات منتخبة علی غرار القضاء.

_تحييد العمل السياسي عن النقابي، حتی لا تطغی الحسابات السياسية و الأهواء الإيديولوجية عن مصالح القطاع وأولوياته،و النأي به عن المناكفات و التجاذبات السياسية واعتماد الشفافية في حركات النقل والتعيينات.

_إنشاء مراصد و هيئات مختصة لمراقبة العمل الوزاري، و فتح تحقيقات في شبهات الفساد و تتبع مسار الصفقات والمناقصات و مسالك إستغلال الاعتمادات المادية .

_الترفيع من ميزانية وزارة التربية بما  يتوائم وحجم التحديّات

_ترميم البنی التحتية للمدارس وتوفير التجهيزات  والوسائل وتوفير المرافق الضرورية من شبكات الطرقات و التنوير و الصرف الصحي و الماء الصالح للشراب و وسائل النقل للحدّ من نزيف هجرة التلاميذ نحو القطاع الخاص.

_تحييد وزارة التربية عن أيّ نشاط حزبي أو سياسي ،و تعيين وزير تكنوقراط يحمل برنامج إصلاح تربوي متكامل، ولا يمتطي الوزارة لغايات دعائية و حزبية يستقوي فيها علی المربين بالشعبوية و إثارة الرأي العام والإستنجاد بالإعلام، و توخّي سياسة التشويه والتخوين وليّ الذراع، من خلال تسميم الأجواء وخلق مناخ من التناكف والتجاذبات وإنعدام الثقة بين المربّي ووزارة الإشراف .

في الأخير لم يتبقّ لي الّا ان أرسم قبلة علی جبين كل مدرّس (ة) حرّ(ة)، واقول لهم ،”سجّل برأس الصفحة الأولی

أنا معلّم أحب وطني

لا أستخسر علی شعبي تعبي

لكن إذا سلبت حقوقي…

آكل حقّ مغتصبي..

حذار…حذار …من ظلمي ومن غضبي..

للحلم بقيّة…    

طارق عمراني   مدرس وناشط تونسي                                                

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى